السيد عباس علي الموسوي

32

شرح نهج البلاغة

وعمارة بلادها . وهذه هي المهمة الرابعة للحاكم المسلم ، إنها عمارة البلاد التي تتقوم بتنشيط التجارة والزراعة والصناعة وتوفير المواد الأولية للأعمال التي تتطلبها أو تحتاجها ، إن عمارة البلاد تتوقف على الأمن والدعة كي يطمئن صاحب المال إلى بقاء ماله واستثماره ويعلم العامل أنه في استمرار ودوام في عمله فيجدّ ويبني ويعمل وكذلك الزراع والفلاح وأصحاب الأعمال والحرف . . . إن عمارة البلاد يتوقف على رأس المال الذي يجبى من الخراج وعلى الأمن الذي ينعم به الفرد حيث يعلم أنه غير مهدد في وجوده من أعدائه في الخارج أو من المفسدين في الداخل . . . بهذه الأمور الأربعة يتقوم صلب العدل الاجتماعي والرفاهية الإنسانية والسعادة البشرية وبقيام الحاكم بها يكون قد أدى دورا إسلاميا رائدا في بناء المجتمع الصالح الذي ينشده الأنبياء ويدعو إليه المصلحون . . . ( أمره بتقوى اللّه ، وإيثار طاعته . واتباع ما أمر به في كتابه : من فرائضه وسننه ، التي لا يسعد أحد إلا باتباعها ، ولا يشقى إلا مع جحودها وإضاعتها ) فيما مضى كان النظر متوجها إلى الحاكم باعتباره ولي أمور الناس والناظر فيما يصلحهم ويحقق سعادتهم فلذا كان الإمام يوجهه إلى ما يتحقق به ذلك وأما في هذا المقام فقد توجه إلى الوالي باعتباره مسلما وأوصاه بهذه الوصايا العظيمة التي تعد غرة الوصايا وشرفها . . . أمره بتقوى اللّه وتقوى اللّه تشكل الالتزام الحرفي بالإسلام فلا يترك واجبا ولا يرتكب محرما ويبقى هكذا مستمرا ضمن هذا الخط المستقيم وهذا المعنى يطلبه الإسلام من كل الناس الذين يدينون به ويؤمنون بتعاليمه ، فالأصل الأولي في كل مسلم أن يكون بهذا المستوى من الالتزام وأما الانحراف عن هذا ، والخروج عنه فيعده الإسلام شذوذا وضلالا وخرقا للقاعدة الأصلية التي يجب أن تتوفر في كل مسلم . . . تقوى اللّه بالمعنى الذي أوضحناه يحقق السعادة للفرد والمجتمع ويساعد على تحقيق المجتمع الإسلامي الصالح فإن المجتمع إذا كانت كل أفراده ملتزمة بحرفية الشريعة يتحقق عندها المجتمع السليم الذي ينادي به الإسلام وينشده . . . ثم إن الإمام بيّن أن السعيد حقا هو من التزم جانب الفرائض والسنن فأقامها وفي مقابله الشقي الذي يجحد تلك السنن وينكرها أو يعترف بها ولكنه لا يقيمها ، والإنكار لهذه الفرائض والسنن يمثل قمة الرفض والعناد إذ قد يأخذ دور الحرب لها وللمقيمين لها